لديك حساب ؟

تذكرني

نسيت الرقم السري

أنشئ حسابا مجانا

مجتمع

خَيْرُونة الفاسية..المرأة المغربية العالمة

20 February 2017 على 10h49

أعطى الإسلام أهمية كبيرة للعلم؛ حتى كان أول ما نزل من القرآن الكريم كلمة ﴿اقْرَأْ﴾، التي وردت في سورة العلق عند قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾[سورة العلق:1]. وكذلك ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[سورة العلق:3-4-5]. وقد جَعل العالِمَ أفضل من العابد، فعن أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى االله عليه وسلم: (فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ "ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا ، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ)[1]. والعلم قوام الحضارة، وهو الذي يسمو بالأمم ويهذب مجتمعاتها ويثقف أفرادها، وبه ينال الإنسان كماله، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[سورة المجادلة:11].

وقد أولى الإسلام عنايته بالمرأة وأمر بتعليمها كما الرجل، فليس العلم حكرا على الرجال دون النساء؛ بل للنساء فيه نصيب، وما من حضارة إلا ووجدت المرأة مشاركة فيها إلى جانب الرجل.

 

والمرأة المغربية كانت دائما عنصراً فعّالا في تطور البلاد وتقدمها وازدهارها، وقد ظهر عملها العظيم في العصر الأول من التاريخ الإسلامي المغربي الذي يتمثل في تأسيس جامعة القرويين ومشاركتها في الأعمال السياسية والأدبية في العصر المرابطي،[2] وفي العصر الموحدي أخذت المرأة المغربية بأسباب النهوض، حيث ساهمت في النشاط الفكري علميا وأدبيا[3]، ففي هذا العهد أدخلوا النساء في التعليم الإجباري، ولم يقفوا بالمرأة عند هذا الحد من التثقيف، بل وسعوا نطاق تعليمها، وضربوا ببناتهم مثالا لما ينبغي أن تكون عليه المرأة المغربية[4].

 

فالمرأة المغربية في عهد الموحدين نالت قسطا وافرا من التعليم، وفُتح لها الباب للمشاركة في الحياة العامة، وقد كانت بنات الأمراء قدوة لبنات الشعب في الإقبال على العلم والأدب، بعد أن جعل عبد المؤمن التعليم إجباريا على النساء والرجال"،[5] فبعد حركة التعليم التي قامت بها الدولة الموحدية استطاع المجتمع المغربي أن ينشئ رجالا ونساء عرفوا بالعلم والأدب.

 

وهذا البحث الذي نحن بصدده مخصص للنساء العالمات بالمغرب، والغرض منه التعريف بالسيدة "خَيْرُونة" كنموذج للنساء المغربيات العالمات اللاتي شهد التاريخ المعرفي المغربي بنبوغهن في العلم والأدب، حيث نجد أسماء لامعة في سماء العلم والمعرفة، فمن هؤلاء النساء العالمات السيدة زينب بنت يوسف بن عبد المؤمن حرم الأمير عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن، أخذت عن أبي عبد الله بن إبراهيم علم الكلام وغير ذلك،[6] "ومنهن في علم الرواية والحديث الشيخة أم المجد مريم بنت أبي الحسن الشاري صاحب المدرسة بسبتة، ومنهن في علم الفقه السيدة مَحلة المراكشية التي كانت من حفاظ المدونة"،[7] وأم العز العبدرية المقرئة والمحدثة، ثم أم المجد مريم بنت الشيخ أبي الحسن الغافقي، وغيرهن"،[8] ومنهن في التصوف السيدة منية بنت ميمون الدكالي وسواها كثيرات".[9]

 

وأما في العلوم الأدبية والشعر فهناك السيدة رُمَيْلة من بيت الخلافة الموحدية، وما كان لها من فصاحة وبلاغة في النَّظم، ومن نساء الشعب النابغات في ذلك السيدة الشريفة أمةُ العزيز بنت أبي محمد بن الحسن بن أبي الجسّام الحسيني السبتي، ومنهن السيدة حفصة بنت القاضي أبي حفص بن عمر، ومنهن السيدة أم النساء بنت عبد المؤمن التاجر الفاسي"،[10] والأديبة الشاعرة المربية ورقاء بنت ينتان الفاسية،[11] والأديبة أسماء العامرية الإشبيلية.[12] حتى في مجال الطب فقد "نبغت أم عمر بنت أبي مروان بن زهر الطبيبة".[13]

 

ومن جملة هؤلاء النساء العالمات السيدة "خَيْرُونة" الفاسية، وهي "من النساء الأندلسيات اللاتي دخلن المغرب لهذا العهد واتصلن بأعلامه وتوفين به...كانت فقيهة صالحة"،[14] تعلمت العلم وعملت به، و"كانت تحضر مجلس عثمان السلالجي إمام أهل فاس في الأصول".[15]

 

وقد "كانت خيرونة تتقن الفقه وتبحث في أحكامه العملية، كما اهتمت بتزكية حياتها الروحية فاعتنت بدراسة الكتب الصوفية وتقليد أئمة التصوف حتى صارت من الزاهدات العابدات، واهتمت بأمور العقيدة"[16]، فكانت من علماء العقيدة في المغرب، "ومما يُذكر من مفاخرها أن باقتراحها وضع الإمام السلالجي عقيدته الشهيرة"،[17] وهي عقيدة البرهانية التي ألفها من أجلها،[18] والسلالجي هذا هو "المفكر الأشعري المغربي الذي رفع بعض المؤرخين درجته في علم الكلام بالغرب الإسلامي إلى درجة أبي المعالي الجويني في المشرق، وذلك لاطلاعه الواسع بأمور علم الكلام الأشعري من جهة، ولدوره الكبير في بث ونشر المذهب الأشعري بالمغرب، حتى قيل عنه إنه هو الذي أنقذ أهل فاس من التجسيم؛ أي أنه أسهم إسهاما كبيرا في تكريس المذهب الأشعري مذهبا رسميا لدولة الموحدين"،[19] والأمر في ذلك يرجع إلى السيدة خيرونة فبسببها تم تأليف عقيدة البرهانية ونشرها في المغرب، فعن سبب قيام أبي عمرو عثمان السلالجي بتأليف عقيدة البرهانية، يقول تلميذه أبو الحسن بن عتيق: "كان بفاس امرأة تسمى خَيْرُونة، وكانت من الصالحات القانتات، الزاهدات الغافلات المؤمنات، وكانت تعظمه وتوقره، وتلتزم مجلسه، فرغبَتْ إليه أن يكتب لها في لوحها شيئاً تقرأه على ما يَلزَمُها من العقيدة فكتبها، فأخذتها أنا وقام بفكري أن أرتبها فصولاً، وأعمل لها شِبْهَ الخطبة. ثم شاورتُه في ذلك فمنع منه وقال لي: لم أتعرض فيها أن تكون تأليفاً تكتب وتنشر، وإنما كتبتها لخيرونة على وجه (كذا)، فشاء الله أن تشيع فاترُكْها كما هي ولا تزد فيها شيئاً فتخرج عما قُصد بها، فتركتُها كما هي"،[20] فــهذه "الأسباب الخاصة المباشرة التي دفعت أبا عمرو لتأليف "برهانيته" كانت متعلقة بخيرونة تلميذته، هذه المرأة الزاهدة التي تعاطت للعلم والدراسة، وأرادت أن تتعلم من أمور الكلام ما يجعل عقيدتها في مأمن من الانحراف والزيغ، فرغبت إلى السلالجي -شيخ الفاسيين في علم الاعتقاد أن يكتب لها عقيدة مختصرة وافية بمطلوبها، فكتب لها السلالجي "عقيدة" مرة بعد مرة، ولكن هذه العقيدة ما لبثت أن اكتملت وظهر تميزها وإحكام تأليفها فانتشرت بين الناس وذاع صيتها "فسميت بالبرهانية"[21] لاعتماده فيها على البرهان العقلي في اثباته العقائد الإيمانية معززا بذلك البيان النقلي من القرآن والسنة، ومن ذلك"أن الناس اعتنوا بها كثيرا وأنها أخذت دوراً  كبيراً بين أمهات العقائد، فشُرِحت بعدة شروح، ورويت بروايات مختلفة فضلاً عن اعتمادها الدراسة غيرَ قليل من الزمن"[22] و"قد كان لحجمها الصغير ودقة عباراتها، دور فعال في إقبال المغاربة عليها بكل أصنافهم وفئاتهم وأعمارهم وتخصصاتهم، فالتفوا حولها وقاموا بحفظها وتعلمها وشرحها كل حسب طاقته وإمكانياته"،[23] وإن كانت هذه العقيدة في البداية وُجِّهت إلى فئة النساء، وخيرونة "لا شك أن لها يداً في نشر التوحيد على مذهب الأشعري بين نساء أهل فاس إسوة بأستاذها"،[24] حيث "حرص ممثلو الفكر الأشعري بالمغرب الإسلامي على تلقين العقيدة للنساء"،[25] إلا أنها سرعان ما انتشرت بين الرجال أيضا حتى أصبحت العقيدة الرسمية للدولة الموحدية، فالفضل في كتابة عقيدة البرهانية وانتشارها يعود إلى السيدة خيرونة.

 

ربما يظن البعض أن تعلم العقيدة وعلم الكلام خاص بالرجال دون النساء، وأن النساء لا شأن لهن بعلم الكلام والعقيدة، والأمر ليس كما يظنون، فالعقيدة شأنها عام؛ يهم الرجال والنساء على حد سواء، "لأنه لا تمييز في مجال العقائد بين ما ينبغي للرجال اعتقاده، وكذا كميته، وما ينبغي للنساء، وكذا كميته، ففي أمور العقائد حظ الرجال مثل حظ النساء تماما، بل إن المسألة تندرج في إطار تبسيط العقائد"،[26] وهذه السيدة خيرونة خير مثال على ذلك، حيث "استطاعت هذه المرأة الزاهدة أن تحقق ما عجز عنه الرجال المقربون إلى أبي عمرو، فدفعته إلى الكتابة والتأليف بعدما كان يفر من ذلك ويخشاه طيلة حياته".[27] ويتبين من ذلك أن السيدة خيرونة وغيرها من النساء المغربيات في عهد الدولة الموحدية كان لهن إقبال على العلوم العقلية إلى جانب العلوم النقلية؛ هذا إذا علمنا أن "عقيدة البرهانية" ألفها السلالجي على طريقة المتكلمين ومباحثهم العقلية المعمقة التي تحتاج إلى ذكاء كبير وحسن بديهة.

 

كانت النساء المغربيات بعدما يطلبن العلم يتفرغن للتعليم والتدريس والإرشاد، فقد كن يفتحن مدارس لتعليم غيرهن من النساء والبنات، يعلمنهن الفقه والعقيدة والأدب وكل العلوم الموجودة في ذلك العصر، وكان الموحدون "يولون النساء المثقفات في عهدهم التفاتا خاصا يفتحون أبوابهم في وجوههن، ويصلونهن، ويزيحون ظلامتهن، ويستمعون-هم وبعض أمرائهم- لأدبهن، بل لقد وظفوا بعضهن معلمات بقصر الخلافة"،[28] فهذه "حفصة بنت الحاج الركونية الغرناطية، كانت أستاذة وقتها، وانتهت إلى أن علمت النساء في دار المنصور"،[29] و"كانت أم هانئ بنت القاضي عبد الحق بن عطية تدَرِّس العلوم، وقد أخذ عنها غير واحد من علماء عصرها، كما أنها ألفت في الوعظ والإرشاد"،[30] وكذلك كانت السيدة خيرونة تدرِّس العلوم الشرعية للنساء وخاصة علم العقيدة، كما استفاد منها كثير من الرجال، فهؤلاء النساء كن يطلبن العلم ويعملن على إفادة غيرهن من النساء والرجال بما اكتسبنه من العلم؛ حتى كان مجتمع الموحدين مجتمعا متعلما مثقفا برجاله ونسائه.

 

هذا وبعد أن عاشت السيدة خيرونة الفاسية حياة زاخرة بالعلم مليئة بالعطاء، رحلت عن هذه الدنيا وأبقت ذكراها، وقد "توفيت سنة 594ه، ودفنت خارج باب الفتوح بإزاء قبر الفقيه دراس بن إسماعيل، (مشاهير أعيان فاس في القديم)"،[31] فرحمها الله تعالى.

 

-------------------

الهوامش:

[1] جامع الترمذي ، كتاب العلم، باب ماجاء في فضل الفقه على العبادة، رقم الحديث: 2628.

[2] النبوغ المغربي في الأدب العربي، عبد الله كنون،  دار الثقافة، الطبعة الثانية، الجزء الأول، ص: 144.

[3] المصدر نفسه، ص: 144.

[4] العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط، ط:2، 1397هـ/1977م، ص:33.

[5] الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن بن علي، علام عبد الله، ط: دار المعارف القاهرة1971، ص:243.

[6] العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، ص:33.

[7] النبوغ المغربي في الأدب العربي، عبد الله كنون، الجزء الأول، ص: 144.

[8] الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن بن علي، علام عبد الله، ص:243.

[9] النبوغ المغربي في الأدب العربي، عبد الله كنون، الجزء الأول، ص: 144.

[10] المصدر نفسه، ص: 144-145.

[11] الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن بن علي، علام عبد الله، ص:243.

[12] العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، ص:34.

[13] عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية: جمال البختي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط:1، س:2005، ص:89.

[14] العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، نقلا عن الجذوة:290، والسلوة:2/183، ، ص:35.

[15] البغية لابن مومن نقلا عن كتاب عثمان السلالجي ومذهبيته العقدية للبختي، ص: 89.

[16] عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية: جمال البختي، ص:89.

[17] العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، نقلا عن الجذوة:290، والسلوة:2/183، ، ص:35.

[18] النبوغ المغربي في الأدب العربي، عبد الله كنون، دار الثقافة، الطبعة الثانية، الجزء الأول، ص: 144.

[19] تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، يوسف احنانا، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2003، ص:112.

[20] ذكريات مشاهير رجال المغرب في العلم والأدب والسياسة، عبد الله كنون، دار ابن حزم، ط:1، س ط:1430ه/2010م، ج:1، ص: 270.

[21] عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية، جمال البختي، ص:96.

[22] ذكريات مشاهير رجال المغرب في العلم والأدب والسياسة، عبد الله كنون، ص: 270-271.

[23] عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية، جمال البختي، ص:95.

[24] النبوغ المغربي في الأدب العربي، عبد الله كنون، ص: 144..

[25] تطور المذهب الأشعري، يوسف احنانة، ص: 329.

[26] المصدر نفسه، ص: 324.

[27] عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية: جمال البختي، ص:89.

[28] العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، ص:33.

[29] الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن بن علي، علام عبد الله، ص:243.

[30]عبد العزيز بن عبد الله، المرأة المراكشية في الحقل الفكري، دراسة ضمن صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، س:1378ه/1958م، ص:272.

[31] العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، ص:35.

للقراءة أيضا ...
هام جدا : التعليقات تعبر عن رأي أصحابها، و إدارة الموقع تنآى بنفسها عما يرد فيها
كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال
لنشر تعليق، يرجى الدخول:
تعليقاتكم عبر الفايسبوك
Clavier
لوحة المفاتيح بالعربية
D S s' s z r d' d H' j t' t b a
- y w h n m l k q f g' g Z T
0 1 2 3 4 5 6 7 8 9      
لوحة المفاتيح بالأمازيغية (تيفيناغ)
a b g d e f k h ε kh q i j l m
                       

n u r gh s č t w y z  w
                       

حروف أخرى

تكملة الطوارق