لديك حساب ؟

تذكرني

نسيت الرقم السري

أنشئ حسابا مجانا

من وحي القلم

قصة قصيرة: ضياع

12 January 2016 على 19h33

رجع إلى بيته مبكرا على غير عادته , وكان في حال من الحزن شديد . تجنب الإلتقاء بأهله ودخل إلى حجرته لا يلوى على شيء . وجد نفسه بين أربعة جدران تقطر صمتا و جمادا , وفي حركة عصبية خلع العمامة الملفوفة فوق رأسه كخرطوم مثلجات لم يلعقه صبي بعد و طوحها فوق كنبة تتوسط الجدار الذي على يسار الباب . فوقها مباشرة علقت صورة لآية الكرسي في إطار ذهبي . نزع جلبابه المصنوع من وبر الإبل عنه كما تنتزع القشرة عن اللب , وتهالك على مقعد صلد بجانب الكنبة , إعتاد الجلوس عليه لمشاهدة التلفاز , ولكن الوقت لا يزال ضحى , وزوجته عاكفة في المطبخ لتجهيز الغذاء و عجن الخبز وربما تروح و تغدو بين الحوش الكبير و المطبخ لإطعام الدجاج . خيم صمت ثقيل على أركان الحجرة و كان الرجل يكابد دموعا حارقة من مقلتيه هددتا بالسقوط في أية لحظة , أسند رأسه على ظهر الكرسي وحدق إلى السقف دون أن ينظر إلى شيء وسرعان ما أصبحت الرؤية ضبابية فمال إلى الأمام رويدا رويدا ودفن وجهه بين يديه و أجهش بالبكاء . لم تمضي فترة طويلة حتى داهمته زوجته وهو على تلك الحالة المزرية , فاضطربت حواسها و أخرستها الدهشة لدى رؤيته على تلك الحال , ووقفت أمام عتبة الباب لا تقدم خطوة و لا تؤخر حتى أحس  بشخصها أمامه فرفع وجهه نحوها , ولم يبال بتلك النظرة التي انعكست على ملامحها . مسح دموعه الحارقة بطرف كم قميصه وبذل جهدا جبارا ليتغلب على انفعاله . راعها مظهره وهو غارق في البكاء , كيف لا ويقينها بزوجها لا يتزعزع أبدا , منذ أن عرفت الدنيا وهي تراه مثالا للصلابة و القوة , تلين أمامه كل الصعاب و تهون كل مشكلة تصادف طريقه . هكذا هي حاله مع سائر أبناءه وكذا زوجته . تقدمت نحوه في خطوات بطيئة مرتبكة واستدر بكائه الدموع من مقلتيها , ومضت نحوه كالسائر أثناء نومه , لم يكن في الإمكان تجاهل الأمر لما جد فيه من الضنك و الأسى . جلست على حافة الكنبة لتكون قريبة من مجلسه ولما استتب بها الأمر واستقر بهما الجلوس  , بدأت ترمق زوجها بنظرة تفيض حنانا و تقطر حزنا , لعله يفضي إليها ببعض ما يختلج في صدره المضطرب . أشاح الرجل بوجهه كي لا يبدو في مظهر الشفقة ولما طال الصمت ولم يعد محتملا بينهما خرجت الزوجة عن هدوءها معبرتا عن مشاعرها بكلمات من صميم فؤادها فقالت بصوت باك:

                                                                                    
-ما بك الجيلالي , ما يحزنك ؟ أنا زوجتك قل لي ما بك ؟
أحس بنبرة العطف تسري في صوتها الأنثوي ويتغلغل داخل أحزانه مدغدغا مشاعره المكبوتة بداخله . ولم يقوى على الكلام واكتفى بالصمت , و عندئذ تدحرجت من عينيه دمعة حارقة على صفحتي وجهه المستطيل فلم تتمالك نفسها إلا أن أفحمت في البكاء مجاراة لزوجها الحزين فترجته قائلة بصوت مختنق:    

                                                  
- في وجه الله والنبي أخبرني ما الأمر يا الجيلالي ؟ أنا زوجك و عيالك فقل لي ما بك ؟
و في تلك الأثناء دار وجهه المستطيل نحوها , وتجلت آيات اليأس على ملامحه الواضحة , عينان حمراوان فوقهما حاجبان كثيفان , وجه شاحب أصفر , شفتان مضطربتان .وبسط يداه الغليضتان على ركبتيه وهم بالحديث فنظف حنجرته واستمد قوة من اليأس فقال بصوت وان :
-الأرض ذهبت يا خيرة . أخذوها .                                                                                                                    
-الأرض ! ومن أخذها ؟


- قبل أسبوعين أتى إلى القرية رجل إدعى من نفسه على أنه موظف في مديرية مسح الأراضي , فأراد مقابلتي و كنت حينئذ أستعد للحرث من أجل موسم جديد . فلما قدم نفسه لي , سألني إن كنت أنا صاحب هذه الأرض ,  في البداية دهشت لكلامه فهذا سؤال لم يخطر لي على بال في أية لحظة من حياتي , كما أنه أزعجني أيما إزعاج بنظرته المحتقرة ولكنني كظمت الغيظ في نفسي مراعاة للأدب . فأجبته بأني صاحب هذه الأرض ولكنه لم يكف عن بهتانه وأخذ يسأل مرة متجاهلا جوابي , إن كنت أملك وثيقة تثبت ملكيتي لهذه الأرض , فخرجت قليلا عن هدوئي وقلت له بحدة ونرفزة أني ورثت هذه الأرض أبا عن جد وفي تربتها يمتزج عرقي بعرق أجدادي . و كنت كمن يكلم الموتى وحتى الموتى لهم آذان صاغية , فأعاد سؤاله بكل حقارة متجاهلا غضبي وهو يشعل سيجارة و ينفخ الدخان في الهواء النقي ويدوس برجليه القذرتين أديم تربتي , وقلت له في نفسي إن كنت أنت ريحا فقد لاقيت إعصارا . وأعدت على مسمعه الجواب الأول فدون بعض الملاحظات على دفتره وسألني عن إسمي و لقبي ومضى في سبيله ولم أره بعد ذلك حتى اليوم . 


صمت قليلا يتجرع آلامه المريرة ويجتر هزيمته النكراء ولكن زوجته لم تحول وجهه عنه وكانت نظراتها تعكس معاني التوسل و الإستنجاد فقال متابعا دفة الحديث :
هذا الصباح عند خروجي من البيت قصدت دكان الحاج بوخلفة لشراء بعض المستلزمات. وعندما وصلت إلى الأرض ورأيت ذلك المشهد , ظننت أنني أهذي أو أنه حلم يقظة , فلم أصدق عيني لما رأيت آلات البيلدوزير الصفراء و الشاحنات الضخمة تشق الأرض شقا . إقتربت منها وكأن بها جاذبية مغناطيسية تجذبني نحوها وأحسست بالأرض  تميد تحت قدمي من وقع تحرك الآلات . لم أعي ما فعلت بعد ذلك إلا أنني هرعت نحوها كالمجنون , صارخا مستنجدا بالسموات و الطيور السابحة فيها و ذرات التراب المشبعة بعبق آبائي , وكاد البيلدوزار الأصفر يدهسني لو لم يوقفني أحد العمال في اللحظة الأخيرة . وتوقف العمل بعدذاك برهة من الزمن وتجمع خلالها نفر من العمال يحملقون إلي باستغراب ودهشة وكأنني أنا الدخيل و هم أصحاب الأرض . لم أقف مكتوف الأيدي هناك , قاومت الرجل ودفعته عني بحركة واحدة فسقط على وجهه متألما , قرأت الرعب في وجوههم فرحت أطالب بخروجهم من أرضي فورا . ولم تمض فترة طويلة حتى رأيت الرجل الذي قابلته فيل أسبوعين مصحوبا برجال البوليس يتبعونه على الأثر  متجهين صوبي, وسرعان ما خاطبني بعجرفة ووقاحة لاحدود لها وقال بالحرف الواحد :


- غادر المكان فورا وإلا ستقع في المشاكل , ليس لك حق في هذه الأرض بعد اليوم . .


قادني رجال الشرطة بعيدا ووجهو إلي نصائح في صبغة الزجر , إن أنا عطلت سير عمل الورشة وعدت هناك فسيلقون بي في غياهب السجن . . . أهكذا يكافئ من أفنى زهرة عمره في خدمة هذه الأرض .                                         واستنزفت كل طاقاته فكف عن الكلام بحركة كئيبة من رأسه , فأحنت الزوجة جذعها وربتت على كتفه مواسية , وذبل وجهها أيضا حتى صار كقطعة من الظلام . أما الجيلالي فبدا كجبل متصدع هزه زلزال عنيف , إنحنى ظهره وتوقست كتفاه إلى الأمام . حزن خالص وخيبة قاتلة . تموت معها الآمال و تذبل في خضمها الحياة , وأحس الجيلالي بزوجته تغيب عن عالم الوجود فاستدرك نفسه وهزها من كتفيها وقد ومضت عيناه ببريق غامض فقال بنبرة لا معنى لها :


- سأرد حقي إن شاء الله , أمامي العدالة هي الملاذ الأخير وسأقصدها هذا اليوم لأقدم الشكوى ضد المنتهكين , سيشهد معي كل أهل القرية بما فيها , الرجال و النساء و الأطفال و البهائم حتى السماء و القبور أيضا ستقول بأن الأرض أرضي و هي وطني الوحيد ولن أدخر جهدا في استرجاعها بإذن الله .


كان كلامه ضغثا على إبالة وعلم كلاهما بدقة الوضع ومآله , فصمت كلاهما مستسلمين غارقين في الحزن مذعنين لقضاء الله وقدره , وتداول بندول الساعة في الحجرة الخرساء ناطقا بتقدم الوقت وتغير الأزمان . نزع الرجل نفسه من الكرسي و ارتدى ملابسه ثم انطلق إلى الخارج وارتج الباب داخل إطاره معلنا عن ثورة عارمة .

للقراءة أيضا ...
هام جدا : التعليقات تعبر عن رأي أصحابها، و إدارة الموقع تنآى بنفسها عما يرد فيها
كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال
لنشر تعليق، يرجى الدخول:
تعليقاتكم عبر الفايسبوك
Clavier
لوحة المفاتيح بالعربية
D S s' s z r d' d H' j t' t b a
- y w h n m l k q f g' g Z T
0 1 2 3 4 5 6 7 8 9      
لوحة المفاتيح بالأمازيغية (تيفيناغ)
a b g d e f k h ε kh q i j l m
                       

n u r gh s č t w y z  w
                       

حروف أخرى

تكملة الطوارق